قال باتريك روزينو، رئيس تحرير المجلة الألمانية المتخصصة في شؤون الأمم المتحدة بألمانيا، إن إغلاق مضيق هرمز ردًا على الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران، يتجاوز كونه مجرد تصعيد إقليمي، فهو يؤثر على أحد أهم الطرق التجارية ذات الأهمية الاستراتيجية في الاقتصاد العالمي.

 

وقبل اندلاع الأعمال الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير،  كان ما يقارب 20-25% من شحنات النفط والغاز العالمية تمر عبر هذا الممر المائي الضيق يوميًا، إلى جانب الأسمدة الضرورية لإنتاج الغذاء العالمي. 

 

لذا، فقد رأى التقرير الذي نشره المرصد العالمي التابع لمعهد السلام الدولي أن إغلاقه لا يُعيد تشكيل أسواق الطاقة فحسب، بل يُشكّل أيضًا ضغطًا على مبدأ أساسي من مبادئ النظام الدولي: حرية الملاحة.

 

العدوان الثلاثي على مصر 

 

وأعاد روزينو إلى الأذهان أزمة مماثلة عندما شنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل هجومًا على مصر، فيما عرف بالعدوان الثلاثي عام 1956، وقال: إن نظرة إلى الوراء سبعين عامًا، إلى أزمة السويس، توضح أن هذا النوع من المواجهة ليس جديدًا، وإن هناك سوابق لكيفية إدارته من قبل المجتمع الدولي. آنذاك، كما هو الحال الآن، كانت القضايا المحورية هي السيطرة على طرق العبور الاستراتيجية، والسيادة الوطنية، ورد فعل المجتمع الدولي على التدخل المباشر للقوى الكبرى وشلل مجلس الأمن.

 

وأضاف: "بدأت أزمة السويس بتأميم مصر لقناة السويس. شعرت فرنسا وبريطانيا بتهديد مصالحهما الاقتصادية والجيوسياسية، فشنّتا، بالتعاون مع إسرائيل، هجومًا عسكريًا. عجز مجلس الأمن عن الاستجابة، إذ عرقلت فرنسا وبريطانيا أي حلٍّ فعّال باستخدام حق النقض (الفيتو)".

 

لكنه أشار إلى أن الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي - وكلاهما كان معارضًا للتدخل – تجاوزتا حالة الجمود في مجلس الأمن باللجوء إلى الجمعية العامة.

 

واستنادًا إلى  قرار "التوحد من أجل السلام" ، عقدت الدول الأعضاء جلسة استثنائية طارئة. وقد مكّن هذا الإجراء المبتكر الجمعية العامة من إصدار توصيات بشأن العمل الجماعي عندما يتعذر على مجلس الأمن اتخاذ أي إجراء.

 

ولم يقتصر دور الجمعية العامة على إصدار القرارات فحسب، بل أنشأت الأمم المتحدة، بقيادة الأمين العام داج همرشولد، أول بعثة لحفظ السلام مسلحة، وهي  قوة الطوارئ التابعة للأمم المتحدة (UNEF I) ، التي انتشرت في شبه جزيرة سيناء. وكانت ولايتها واضحة: مراقبة وقف إطلاق النار عقب الهجمات في عام 1956، وتحقيق الاستقرار في سيناء، وضمان انسحاب القوات الأجنبية من الأراضي المصرية.

 

وإلى جانب الضغوط من واشنطن وموسكو، أشار التقرير إلى أن هذا النهج أدى إلى انسحاب إسرائيل وفرنسا وبريطانيا. وبقيت القناة تحت السيطرة المصرية. وبذلك، نجح المجتمع الدولي في احتواء الصراع المتصاعد وتوجيهه.

 

لكنه أوضح أن الوضع اليوم يختلف في تعقيده، لكن ليس في منطقه، إذ تستخدم إيران مضيق هرمز كورقة ضغط في صراع تصاعدت حدته بشدة جراء الضربات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على أهداف إيرانية. 

 

وقال "إن الحصار، وأي محاولة لفرض رسوم عبور، ينتهك المبادئ الأساسية لقانون البحار، ولا سيما حق المرور عبر المضائق الدولية المنصوص عليه في  اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار".

 

وفي الوقت ذاته، وصل مجلس الأمن إلى طريق مسدود مرة أخرى. فقد استخدمت روسيا والصين مؤخرًا حق النقض (الفيتو) ضد قرار يهدف إلى حماية حرية الملاحة عبر مضيق هرمز، مما اعتبره يُذكّر بمشكلة عام 1956: عندما يكون الفاعلون الرئيسون أنفسهم أطرافًا في النزاع أو تحركهم مصالح جيوسياسية، يصبح المجلس غير فعال.

 

وأشار إلى أن "النتيجة المنطقية هي نفسها كما كانت آنذاك: يجب أن يتحول الزخم السياسي إلى الجمعية العامة، لا سيما وأن مهمة بقيادة حلف الناتو ليست خيارًا واقعيًا في ظل الظروف الراهنة. إذ ستُعتبر هذه المهمة منحازة ولن تحصل على تفويض من مجلس الأمن. وعلى أي حال، ستعارضها روسيا بشدة".

 

أهمية دور الجمعية العامة للأمم المتحدة

 

وتابع: "يُظهر التاريخ أن الجمعية العامة للأمم المتحدة ليست مجرد قاعة للنقاش، بل يمكنها أن تُرسّخ الشرعية السياسية، وتُعيد تأكيد المعايير، وتُطلق تدابير عملية. فعندما تعثّر مجلس الأمن، تدخلت الجمعية العامة، وأنشأت هيئات تحقيق، ودعمت عمليات حفظ السلام. وعلى الرغم من أن قراراتها ليست ملزمة قانونًا كقرارات مجلس الأمن، إلا أنها تحمل ثقلًا سياسيًا".

 

وقال التقرير: "إذا طالبت أغلبية واسعة من الدول بحرية الملاحة عبر مضيق هرمز، فسيكون الضغط على جميع الأطراف كبيرًا. فلكل دولة تقريبًا مصلحة مباشرة في إبقاء طرق التجارة مفتوحة، مما يجعل تشكيل تحالف واسع النطاق أمرًا ممكنًا".

 

ورأى أن بادرة "التوحد من أجل السلام" اليوم يمكن أن تتضمن معدة عناصر: موقف قانوني واضح يحدد الحصار باعتباره انتهاكًا للقانون الدولي؛ وتوصيات بشأن تدابير ملموسة، مثل إنشاء بعثة مراقبة بحرية دولية؛ وطلب من الأمين العام للأمم المتحدة تعزيز جهود الوساطة وإعداد مثل هذه البعثة.

 

وذكر أنه بإمكان طرف ثالث، كالأمم المتحدة ممثلةً بأمينها العام، أن يُسهم في بناء الثقة اللازمة بين الأطراف بعد جمود محتمل في المفاوضات، وحالة من الركود المُضرّة بالطرفين، ولحظة سانحة لهم. إلا أن ذلك يتطلب جهودًا حثيثة وتدخلاً دبلوماسيًا شخصيًا من أنطونيو جوتيريش.

 

وتابع: "يمكن أن يؤدي وجودٌ بتفويض من الأمم المتحدة وظائف مماثلة لوظائف قوة الطوارئ التابعة للأمم المتحدة الأولى: مراقبة حركة الملاحة البحرية، وتوثيق الحوادث، وبناء الثقة بين الأطراف، والحد من مخاطر التصعيد من خلال وجود دولي. وتتمثل ميزته الرئيسة في طابعه متعدد الأطراف، وحياده، واستناده إلى تفويض جماعي".

 

انعدام الاستقرار في المنطقة

 

وفقًا له، "أظهرت الأسابيع الأخيرة أن الإجراءات العسكرية أو السياسية الأحادية - سواء من جانب إسرائيل أو الولايات المتحدة أو إيران - لم تُحقق الاستقرار في المنطقة، ولم تُسهم في حل النزاعات. في المقابل، لن تكون بعثة الأمم المتحدة أداةً في يد أي دولة منفردة، بل تعبيرًا عن مصالح دولية مشتركة. ومن المفارقات التاريخية أن فرنسا والمملكة المتحدة - اللتين أغلقتا قناة السويس مع إسرائيل عام 1956- تسعيان الآن إلى تشكيل بعثة دولية بشأن مضيق هرمز".

 

مع ذلك، قال إن الاختلافات مع عام 1956 تظل جوهرية، "فقد كانت أزمة السويس صراعًا محدودًا نسبيًا، بأطراف فاعلة محددة ونزاع معين. أما الوضع الراهن فهو متجذر في مشهد إقليمي معقد ذي تداعيات عالمية".

 

وأضاف: "يُمثل البرنامج النووي الإيراني، وقدراته الصاروخية، ودور الجماعات الوكيلة مثل حماس وحزب الله والحوثيين، خطوط صراع متميزة لا يمكن لأي مهمة عبر مضيق هرمز أن تحلها. كما أن للعوامل الداخلية أهمية بالغة، إذ إن الطبيعة القمعية للنظام الإيراني واستراتيجيته في السياسة الخارجية لا تتأثران بالتأثير الخارجي إلا جزئيًا".

 

وأكد التقرير أنه "لا يكمن درس عام 1956 في قدرة الأمم المتحدة على حل مثل هذه النزاعات بشكل مباشر، بل في قدرتها على احتواء التصعيد وإفساح المجال أمام الحلول السياسية. لذا، فإنّ إرسال بعثة تابعة للأمم المتحدة إلى مضيق هرمز لن يكون نهاية المطاف، بل خطوة أولى من شأنها إبطاء وتيرة العمليات العسكرية، والحفاظ على قنوات الاتصال مفتوحة، وتمكين المفاوضات".

 

وشدد على أهمية المبادرات الدبلوماسية، والتي قد تُسهم جهود الوساطة التي تبذلها دول منفردة، مثل باكستان أو غيرها من الجهات الفاعلة الإقليمية، في سد الفجوات على المدى القصير. إلا أن تحقيق استقرار مستدام يتطلب إطارًا متعدد الأطراف أوسع نطاقًا يشمل جميع الجهات الفاعلة ذات الصلة في المنطقة.

 

وقال إنه "في وقتٍ يُعاني فيه مجلس الأمن من الشلل في كثير من الأحيان،  يتعين على الدول الأعضاء استخدام الجمعية العامة بشكلٍ أكثر حزمًا . لكن هذا يتطلب أيضًا قيادةً حكيمة. فبإمكان أمين عام للأمم المتحدة، مستعد لتحمل المخاطر السياسية واستغلال كامل صلاحياته المؤسسية - بدلًا من التردد والحذر، كما اتُهم أنطونيو جوتيريش من قِبل منتقديه - أن يلعب دورًا حاسمًا في تنفيذ تفويض الجمعية العامة. وقد  فعل هامرشولد ذلك تمامًا خلال أزمة السويس ، حيث ساهم في إنشاء قوة الطوارئ التابعة للأمم المتحدة (UNEF) كأول عملية حفظ سلام مسلحة تابعة للأمم المتحدة. واليوم، ثمة حاجة إلى نهجٍ مبتكر مماثل".

 

واعتبر أن ّ حصار مضيق هرمز يُعد اختبارًا لقدرة المجتمع الدولي على التحرك، والتزامه بنظام قائم على القواعد. ولا تُعدّ أوجه التشابه مع أزمة السويس محض صدفة، بل تعكس أنماطًا متكررة تتعلق بنقاط الاختناق الاستراتيجية، ومصالح القوى العظمى، والجمود المؤسسي داخل منظومة الأمم المتحدة.

 

وقال: "لم يكن رد الفعل في عام 1956 مثاليًا، ولكنه كان فعالاً. فقد أظهر أن الجمعية العامة قادرة على التحرك عندما يعجز مجلس الأمن عن ذلك. ولا يزال هذا الخيار قائمًا حتى اليوم، لا سيما إذا اختارت الدول الصغيرة والمتوسطة الحجم العمل بشكل جماعي. إن مسألة قيامها بذلك ليست مسألة قانونية، بل هي مسألة سياسية".

 

https://theafrican.co.za/pretoria-news/opinion/2026-04-24-navigating-the-strait-of-hormuz-lessons-from-the-suez-crisis/